السعيد شنوقة

254

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

يفضل عن مقعد القاعد وفي قوله : ( وسع كرسيه ) أربعة أوجه : أحدها : أن كرسيه لم يضق عن السماوات والأرض لبسطته وسعته وما هو إلا تصوير لعظمته وتخييل فقط ولا كرسي ثمة ولا قعود ولا قاعد كقوله : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [ الزمر : 67 ] من غير تصور قبضة وطي ويمين وإنما هو تخييل لعظمة شأنه وتمثيل حسي ألا ترى إلى قوله : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ، والثاني : وسع علمه ، وسمي العلم كرسيا تسمية بمكانه الذي هو كرسي العالم . والثالث : وسع ملكه تسمية بمكانه الذي هو كرسي الملك . الرابع : ما روي أنه خلق كرسيا هو بين يدي العرش دونه السماوات والأرض وهو إلى العرش كأصغر شيء » واستند في هذا إلى النقل مضيفا : « وعن الحسن الكرسي هو العرش » « 1 » لذا فالزمخشري يذهب إلى أن الذين يتصورون الله سبحانه مثل تلك التصورات المجسمة لا يقدرون الله حق قدره . والآية : رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [ آل عمران : 8 ] يؤخذ من ظاهرها أن الله عز وجل يقود قلوب العباد إلى الشر وبأن إرادة الخير نتيجة لهدايته وهذا يخالف معتقد الزمخشري في أن الله منزه عن فعل الشر وبأن العبد هو الذي يخلقه ؛ لذا استعان بإضافة توضح المراد في إطار مذهبه قائلا : « لا تبلنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا » ثم أضاف « أو لا تمنعنا ألطافك بعد إذ لطفت بنا » « 2 » وهو يقوم بمثل هذا التوضيح في كل آية يفترض فيها أن الله سبب مباشر لفعل الشر مانعا ذلك بما ينسجم مع أصول المعتزلة ؛ ومنه ما ذهب إليه في قوله سبحانه : وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً [ المائدة : 41 ] فحتى يظهر أن الفتنة ليست صادرة عن الله سبحانه باعتبارها حسب معتقده فعلا قبيحا لا يصح أن يفعله الله وجّه المعنى على أنه « تركه مفتونا وخذلانه » « 3 » بإضافة أبعدت الاشتباه وقربت الدلالة مما يعتقده .

--> ( 1 ) م ن ، ج 1 ، ص 385 - 386 . ( 2 ) الكشاف ، ج 1 ، ص 413 - 414 . ( 3 ) م ن ، ج 1 ، ص 613 - 614 .